أبي منصور الماتريدي

191

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وفيه وجه آخر : وهو أن الذي سمعتم منه لو كان سحرا أو شعرا أو كهانة أو تقوله ، لكان لا يمهله الله - تعالى - بل يؤاخذه على المكان من غير أن حجزوا ، كما قال : فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ ، فإمهاله دل على أن الأمر ليس كما قالوا ، بل هو تنزيل من رب العالمين . وقوله - عزّ وجل - : لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ فأخذ الله - تعالى - : عذابه وعقوبته ؛ كقوله - تعالى - : فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ [ الأنعام : 42 ] ، وقوله - عزّ وجل - فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً [ الأعراف : 95 ] . وقوله : بِالْيَمِينِ أي : بالقوة ؛ أي : لا يعجزنا عنه شيء ، ولا يفوتنا عذابه ؛ كقوله - عزّ وجل - : وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ [ الزمر : 51 ] ، و [ هو ] « 1 » كقوله - تعالى - : وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ [ الواقعة : 60 ] ، أي : لا يعجزنا ما عنده من الشرف والقوة من أن نؤاخذه ، وننزل عليه النقمة . وجائز أن يكون اليمين صلة القول ، لا على تحقيق اليد ، فذكر اليمين ؛ لأن التأديب في الشاهد والأخذ يقع بها ، وهو كقوله - عزّ وجل - : ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ [ الحج : 10 ] ، فأضاف « 2 » التقديم إلى اليد ، لا على تحقيق اليد ؛ إذ يجوز ألا يكون ليديه بما قدم صنع ، لكن لما كان التقديم في الشاهد يقع بالأيدي ، فذكرت اليدان على ذلك ، لا على تحقيق الفعل بهما ، فكذلك يجوز أن تكون اليمين ذكرت ؛ لما بها يقع الأخذ والتأديب في الشاهد ، وإن لم يكن هناك يمين ، والله أعلم . واليمين : القوة ، وسمّيت اليمين : يمينا ؛ لأن قدرة الرجل تكون فيها ، وسمي ملك الرقاب : ملك يمين ؛ لأن ملك اليمين يكتسب بالقهر والغلبة ، وإنما يصل المرء إلى القهر والغلبة بالقوة ؛ فسمي : ملك يمين لهذا ، لا أن يراد بذكر اليمين تحقيق اليمين ؛ إذ اليد لا تملك شيئا « 3 » حتى يضاف إليها ، فكذلك فيما أضيف من اليمين إلى الله - تعالى - فالمراد منه القوة . وقوله - عزّ وجل - ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ قيل « 4 » : الوتين : عرق في القلب . وقيل « 5 » : حبل في القلب .

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في ب : وأضاف . ( 3 ) في ب : سببا . ( 4 ) قاله ابن عباس أخرجه ابن جرير ( 34838 ، 34839 ) ، وابن المنذر عنه ، كما في الدر المنثور ( 6 / 413 ) . ( 5 ) قاله ابن عباس أخرجه ابن جرير ( 34839 ) والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، والحاكم وصححه عنه ، كما في الدر المنثور ( 6 / 413 ) وهو قول مجاهد وقتادة أيضا .